أخبار عاجلة
الرئيسية / ترجمة : תרגום / فن الترجمة، وماهية المترجم

فن الترجمة، وماهية المترجم

فن الترجمة، وماهية المترجم

فن الترجمة، وماهية المترجم

الفنون هي الشعاب والطرائق، وهي أيضاً مجالات الإبداع المألوفة، وربما احتاج من يدفعها إلى مقدمة تنير له السبيل.

وهكذا فحديثنا موجه إلى حديث العهد الذي يضع قدميه على هذا الطريق لأول مرة، ونعني أن يحيط باللغتين المصدر و الهدف إحاطة مقبولة، ولكنه لم يكتسب بعد الخبرة الكافية بدقائق المضاهاة بين اللغتين.

وأتصور أن يفيد منه ممارسو الترجمة الصحفية والترجمة العامة الذين مازالوا في بداية الطريق.

1- النظرية والتطبيق

لي صديق، من أصدقاء الصبا، عرفت فيه الدأب والمثابرة، ولم أتردد يوماً في الإعراب عن إعجابي بنشاطه وحماسه للعلم. وقد تقاذفتنا الأيام فجمعتنا حيناً وفرقتنا أحياناً.

وكنا كلما التقينا دار الحديث عن موضوعه المفضل ألا وهو الترجمة بالكمبيوتر، وهو الهدف الذي يسعى اليابانيون قبل غيرهم إلى تحقيقه.

وكان صديقي يقول : ” إن هذا الهدف سوف يتحقق حين تصبح الترجمة علماً صُلباً، بفضل علوم اللغة الحديثة.” وكان يرسل إليّ بين الحين والحين قصاصات من الصحف تتضمن أنباء تطوير هذه الأجهزة.

وقد وعد اليابانيون بإخراج الجهاز الموعود الذي لن تستعصي عليه لغة من لغات الأرض عام 1995 (Generation 5)، وإن كانوا لم يتوقفوا عن الدعاية لأجهزتهم الحالية.

وكان آخرها جهاز جربته السيدة مارجريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، أثناء زيارتها لليابان، وإن كانت النتيجة لا تبشر بالخير، إذ طلبت من مرافقتها أن تجعل الجهاز يترجم عبارة مجاملة للطعام الياباني

مفادها : أن اللحم طري (يسهل مضغه) ولكن الكمبيوتر لم يكن بالمهارة المتوقعة فأوقع المرافقة في حرج شديد، وأثار ضحك الزوار، لأنه أخرج عبارة تعني أن الجسد ضعيف ودلالتها في الإنجليزية عجز الإنسان أو ضعفه.

وكان صديقي من أصحاب النظريات، يهوى ترديد الأفكار المستمدة من علم اللغة، والاصطلاحات التي تبهر السامع بجدتها وغرابتها وما توحي به من تخصص وتعمق.

وكنت دائم الضيق بالنظريات ميالاً إلى التطبيق، حتى جمعتنا منذ سنوات جلسة عمل في أحد المؤتمرات، حيث عمل كلانا بالترجمة، ووقع في يده نص يتضمن بعض حيل التركيب التي لم يألفها، وبعض الإشارات إلى ما لا يعرف، فلم يحالفه التوفيق في إخراج الترجمة المرجوة.

وأطلعني على النص الذي أخرجه وما دوّنه المراجع من تصويبات وتعديلات، فوجدت أن أخطاءه تعتبر نماذج لشتى المشكلات التي يصطدم بها اليوم من يتصدى للترجمة.

أولى الحقائق التي ينبغي أن أؤكدها في هذه المقدمة أن الترجمة ” فن تطبيقي “، وأنا أستخدم كلمة فن بالمعنى العام، أي الحرفة التي لا تتآتى إلا بالدربة والمران والممارسة استناداً إلى ” الموهبة “، وربما كانت لها جوانب جمالية، بل ربما كانت لها جوانب ” إبداعية “.

ومعنى ذلك أنه لا يمكن لأستاذ في اللغة أو الأدب، أو كليهما، أياً كان حظه من العلم باللغتين المصدر والهدف (بل أياً كان حظه من العلم بنظريات اللغة) أن يُخرج لنا نصاً مقبولاً مترجماً عن إحدى اللغتين دون ممارسة طويلة للترجمة.

فلا توجد في رأيي طرق مختصرة للإجادة في الترجمة، فلا كتب متخصصين ، ولا كتب عامة.  ولكن من المؤكد هو أن هذه الحلول سوف تمسها يد التعديل مع التقدم والتطور الحضاري.

فبالأمس كان الناس يطلقون بعض الأسماء على بعض الأشياء، واليوم يطلقون عليها أسماء مختلفة. وبالأمس كانت تشيع تراكيب معينة، وغداً ستأتي تراكيب جديدة، فالحياة التي تتطور تؤثر في الترجمة بالقدر الذي تؤثر به في اللغة.

ومن غير المعقول أن نتصور أن يحاول المترجم ترجمة نص حديث يتضمن معاني جديدة دون أن يستخدم اللغة المعاصرة التي استحدثت فيها الكلمات والتراكيب الجديدة للدلالة على هذه المعاني الجديدة.

ولهذا أقول دائماً إن من حق كل جيل أن يترجم بلغته هو لا بلغة الأسلاف، وقد يطول عمر الجيل الذي أعنيه فيمتد قرونا (مثلما حدث في التاريخ العربي) وقد يقصر فلا يتجاوز عقداً واحداً في عمر الحضارة الحديثة التي تلهث من أمامنا مسرعة لا تتوقف.

في الماضي حاول رفاعة الطهطاوي إخراج لغة عربية معاصرة تتسع لألفاظ الحضارة، وبذل مع أحمد فارس الشدياق جهوداً رائدة في هذا المجال، وكانا يترجمان بعد أساليب أترك دراستها للمتخصصين.

قد تكون تلك المشكلات خاصة بـ:

الألفاظ Lexical أو التراكيب Syntactic. 

وتضمن مشكلات الألفاظ اشتقاقها وماعنيها ودلالاتها، واختلاف ذلك من سياق إلى سياق.

وتتناول مشكلة التراكيب وهي المشكلة الكبرى، بناء الجملة وفن مضاهاة التراكيب في اللغتين، وخصائص الصياغة باللغتين.

وأخيراً وقبل أن نشرع في البدايات أردد ما قاله أحد أصدقائي ممن مارسوا الترجمة عشرات السنين : ” ليس على الترجمة سيد. ” أي أن المترجم مهما كانت قدرته ومهارته فهو قطعاً واقع في مشكلة ما.

والحصيف من لا يتستنكف عن السؤال والبحث عما لا يعرفه، بل وأحياناً عما يعرفه أو يظن أنه يعرفه.

إذ أحياناً ماتكون الفكرة في النص الأجنبي غامضة في ذهن كاتبها، أو أحياناً مايكون قد أساء التعبير عما يريد أن يقوله، ولكن القارئ العربي لن يغفر للمترجم إخراجه نصاً غامضاً.

ومن ثم يكون على المترجم أن يبحث عن تفسير مقنع لما يقرؤه، وأن يطمئن إليه حتى يضمن وضوح الفكرة المترجمة.

وأحياناً يكون للنص الأجنبي من ظلال المعاني ما يجعل ترجمته مستحيلة. وهذه لا يمكن أن توحي بها الترجمة العربية مهما كانت دقتها. وكلما ازداد وعي المترجم بهذه الظلال ازدادت حيرته، وازداد احتمال تضحيته بجزء من المعنى.

2- من هو المترجم؟

المترجم كاتب، أي أن عمله هو صوغ الأفكار في كلمات موجهة إلى قارئ.

والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه.

ومن الغريب أن يكون هذا الفارق مدعاة للحط من شأن المترجم في بلادنا، على مافي الكتابة بالعربية من صعوبة تثني الكثيرين عن محاولتها، فأنا أرى أن نقل أفكار الغير أعسر من التعبير عن آراء المرء الأصلية.

فالكاتب يصوغ أفكاره الخاصة بتمتع بالحرية في تطويع اللغة لتلائم هذه الأفكار، بل ” وتطويع الأفكار لتلائم اللغة ! ” وأرجوا ألا يدهذ القارئ من هذا القول.

فالكتابة في العالم المثالي (غير موجود) هي أفكار تخضع اللغة لها، أما في عالم الواقع فهي أفكار لا تنفصل عن اللغة بحيث يكون من المحال تصور الفكرة خارج اللغة أو تصور اللغة بدون الفكرة.

فعلاقة المعاني بالألفاظ ليست علاقة الروح بالجسد، كما كان نقاد العرب القدامى يقولون، ولكنها علاقة نظرية أو افتراضية كما يذهب إلى ذلك علماء اللغة المحدثون.

فالكاتب الذي يختار تعبيراً أو ألفاظاً معينة للإعراب عن فكرة، كثيراً مايجد أن التعبير الذي اختاره والألفاظ التي استخدمها تقدم بعض المعاني الأخرى التي لم يكن يرمى إليها.

بل ويجد أنه حتى دون أن يشعر قد انساق بفكره إلى مسالك جديدة أوحت بها تلك العبارة أو تلك الألفاظ، وربما لم يكن يرمى إليها أصلاً.

اللغة والفكر لا ينفصلان، وليس لكاتب أن يزعم أنه يكتب ما كان يعتزم كتابته فقط حين تصدى للكتابة، فعملية الكتابة نفسها عملية استكشاف للأفكار، ووضع الكلمات على الورق عملية إبداع فكرة لا عملية تجسيد فكري.

بمعنى أن الكاتب يأتي بأفكار جديدة أثناء الكتابة ( أياً كان علاقتها بالموضوع الأصلي ) ولا يقتصر عمله على تجسيد أفكار مسبقة في كلمات.

أما المترجم فهو محروم من هذه الحرية الإبداعية أو الحرية الفكرية، لأنه مقيد بنص تمتع فيه صاحبه بهذا الحق من قبل، وهو مكلف الآن بنقل هذا السجل الحي للفكر من لغة لها أعرافها وتقاليدها وثقافتها وحضارتها إلى لغة ربما اختلفت في كل ذلك.

والعلم بهذا كله ليس أمراً ميسوراً ومتاحاً للجميع، بل يتطلب سنوات طويلة من التبحر في تلك اللغة. ومع ذلك فهو مطالب بأن يخرج نصاً يوحي بأنه كتب أصلاً باللغة المترجم إليها، أي أنه مطالب بأن يبدو كاتباً أصيلاً وإن لم يكن ذلك.

وهذا مكمن الصعوبة الأول والأكبر. ومعنى ذلك هو أن يتسلح المترجم بالقدرة على استخدام الألفاظ والتراكيب لتدل على مايريده من معان. وليس هذا بمتوفر في معظم من يتعلمون اللغات الأجنبية، بل وليس هذا بممكن دون ممارسة الكتابة الأصيلة سنوات طويلة.

وإن كان على المترجم أن يجيد فنون الكتابة باللغة التي يكتب بها ، فعليه أيضاً أن يجيد فهم النصوص التي يترجم منها، ولا يكفي في هذه الاستعانة بالقواميس أو بكتب النحو، رغم أنها لا غنى عنها في هذا الباب، ولكن عليه أيضاً أن يلم بعلوم العصر.

أي أن المترجم لا يحتاج فحسب إلى معرفة فنون الصياغة اللغوية، بل يحتاج أيضاً إلى الإحاطة بمعلومات كثيرة عن العالم الذي نعيش فيه، إحاطة تمنع الجهل، وإن لم تكن تفضى إلى العلم.

ولا يستهين أحد بما ذكرته في هذه الصدد من ضرورة الإحاطة بالمعلومات العامة، فالكلمات معلومات، واللغة أفكار.

والمترجم اليوم يتعامل مع لغة الحضارة، وهي لغة تشعبت وتفرعت وتعمقت وأصبحت الإحاطة بها إحاطة كاملة من المستحيلات.

أي لم تعد اللغة عدداً من الكلمات والعبارات والأمثال التي كان أساتذة اللغة العربية في مدارسنا يتكئون عليها ويلقنوننا إياها كيما يشتد ساعدنا، ونبرع في أفانين اللغة، فتلك هي مايطلق عليها الدكتور السعيد بدوي لغة التراث التي تجمدت في القوالب والأفكار جميعاً.

وهي لغة محدودة بها تستخدم من أجله، ولكن اللغة العربية الماصرة (لغة العصر) هي لغة العلوم الحية، لغة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية الحديثة.

وهي لغة لابد من تطورها ( فالتطور هو سنة الحياة ) حتى تواكب حضارة العصر، بل حتى تساهم فيها، وحدبنا على هذا التطور ليس حدباً على اللغة في ذاتها بقدر ماهو حدب على فكرنا العربي وثقافتنا العربية.

إذ لن نستطيع أن ننقل مانعتز به من علوم حديثه وآداب حديثة إلا إذا آمنا بما أسميته بالعربية المعاصرة.

ولن أدخل في تفاصيل طبيعة هذه اللغة. ولكن يكفي للتدليل على ما أقول، من ضرورة إلمام المترجم بقدر من المعلومات يمنع الجهل.

تسرب العلوم المعاصرة إلى لغتنا حتى على مستوى الصحافة اليومية، أي الصحافة غير المتخصصة، فلن يستطيع ترجمة ما يأتي في الصحيفة من موضوعات إلا من ألم بأساسيات اللغة التي أدعو إلى معرفتها.

إذ لا أتصور أن يقدم مترجم على عمله، وعلمه بالعربية مقصور على أسماء الأسد والجمل والخمر والبلح والسيف وما إلى ذلك.

فمهما بلغت فصاحة هذا المترجم، فإنه سيقف عاجزاً أمام اصطلاحات عادية مثل: سعر الصرف، السمسار، بوليصة الشحن، وما إلى ذلك من اصطلاحات المال والتجارة.

أو الاصطلاحات الشائعة في المجالات العلمية الحديثة مثل : الهندسة الوراثية، وطبقة الأوزون أو طبقات الأرض، أو معنى الطبقة الفارغة ( طبقة الأعيان ) أو المرأة العاملة وغير العاملة..

وكذلك الفروق بين الاصطلاحات القضائية الجديدة مثل الفرق بين الحبس والسجن ، الاحتجاز لدى الشرطة ، الإفراج بكفالة، جرائم السطو المسلح، التأمين، البيان الصحفى ..

أختصاراً:

على المترجم أن يحيط بمتن اللغة الذي تغير، ليس فقط بسبب دخول كلمات جديدة مستمدة من لغات أجنبية، بل أيضاً بسبب اكتساب بعض الكلمات القديمة معاني جديدة.

ويندر أن يمر شهر أو أسبوع دون توليد كلمة جديدة بالنحت أو التعريب.

ومجمع اللغة العربية في القاهرة يطرح بانتظام قوائم بما يُضاف، والعلم يتقدم كل يوم، ونحن نحاول أن نستدرك ما فاتنا في سنوات تخلفنا عنه، وما القواميس التي تصدر في كل تخصص إلا دليل على هذه المحاولة الدائبة.

 

عن Tiger

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *